Posts

Showing posts from September, 2020

الحلقة الثالثة

سمعت ابتهالات أصوات طرق على الباب. كانت "ست كريمة المصرية" جارتهم، وقد سار عليها اسم رغم انها ولدت لأب سوداني تزوج من أمها  المصرية وعاشت حياتها في السودان. لكن لكنتها اللطيفة وشخصيتها الجريئة سير الإسم عليها.  "معليش يا هولة، الليلة أجازة البت، وعندنا عرس بالليل فقلت أمشي الحنانة خطفة كدا، بس أعمل لي موقة خفيفة، ساعة بالكتير وآجي اخد البنات، وين ماما؟ سلميلي عليها" وانطلقت مسرعة قبل أن ترد ابتهالات انها وحدها في المنزل. نظرت إلى التوأمتين، اللتان بدورهما حدقتا فيها.  سألتهما مترددة "نطلع فوق؟" ، اومأتا بخجل وتبعتاها إلى الداخل. التفتت نحوهما وسألتهما " نشوف كرتون؟" نظرتا إلى بعضهما وتبعتاها في صمت. جلستا أمام التلفاز ، وبفضول خفي يسترقن النظر نحو هذه البالغة التي هي أكثر خجلا وارتباكا وصمتا منهن. وقد شجعهما هذا الصمت والإرتباك على التحول من الإيماء إلى الهمس بينهما. سرحت قليلا قبل أن تضيف "نشرب عصير؟"، فتشاورتا قليلا وهمستا " اي" كانت والدتها تعتبر علاقة ابنتها مع الصغار كارثية تطلب تدخلا عاجلا منها، سواء كانت علاقتها من مازن...

الحلقة الثانية

  "عادل مافي، حيتأخر" عاينوا ! لمياء زوجة عادل أخو المرحوم خالد ليست غبية ولا شريرة ولا هي مهجسة. بل على العكس تماما، هي إمرأة ذكية جدا جدا، تعرف تماما مكونات مملكتها الزوجية التي أشرفت عليها كاملة لثماني سنوات تفانت فيها لصد كل المنغصات والمفرقات وتعرف تماما-تماما!- الظروف القدرية التي تجتمع لتجعل المستحيل: ممكنا! عادل- صدقوا أو لا تصدقوا يا معشر السودانيين الساخرين من الرومانسية السودانية والمؤسسة الزوجية- لا يزال متيما بحب لمياء كما التقاها أول مرة بزيها الثانوي المبرقع وهي تتقافز بين الخيران المطرية، بحاجبيها المنتظمين، وعينيها الكحيلتين (والتي تجادل الناس كثيرا حول طبيعتهما فهي لم تر بغير كحل ولا يوم من حياتها، حتى حسم الأمر في عزاء والدها) وكانت لها شفاه مرسومة تثير العجب في كل حال من أحوالها، إن افترتا برفق كاشفتين عن أسنان ضاحكة براقة، أو مالتا على جنب في مطاعناتها اليومية للجارات تذكرهن دوما أنها الأجمل، والأشطر، والمدبرة، والأهم من ذاك :المحبوبة والمدللة من زوجها. أو كما هما الآن مشدودتان غيظا وترصدا لهذه الأرملة الشابة التي حلت على حياتها من حيث لا تعلم. ...

الحلقة الأولى

الإعلان الصادر عن قمرة القيادة بقرب الهبوط في مطار الخرطوم، نبه ابتهالات أنها قضت ثماني ساعات من مطار هيثرو في عجز كامل عن مطاردة حتى فكرة واحدة. وكأن عقلها في حالة إغلاق تام. من حين لآخر تمتد يدها لمداعبة شعر ابنها وابنتها، يلتفتان إليها فيلتقي الخواء في أعينهما بالخواء الذي في عينيها.   عجز كامل عن تصور حتى دقيقة مما سيحدث بعد الهبوط ولقائها بأهلها، وعن التفكير في الفاجعة التي قلبت عالمها رأسا على عقب.    كذب!   أية فاجعة؟ وهي التي كانت تمضي في حياتها كالمنومة، لا رأس ،لا عقب.   من طرف عينها ، لمحت رجلا نحيلا، أسمرا، يجلس باسترخاء كامل على مقعده دون أن ينزل عينه من عليها، شعرت بنظراته تخترق جسدها بأكمله. تحملت بصبر مداعبته لأولادها عبر الممر الفاصل بينهما: "ما  تعزبوا  ماما، باين عليها تعبانة" "ما شاء الله، بتتكلموا عربي؟ يو سبيكنق أرابيك؟ لازم تتعلموا العربي، تمشوا ناس حبوبة وجدو يعلموكم العربي والدين" "يو لايك سودان؟" استمات الرجل في محاولة استنطاق هذه الأسرة الصامتة، الأم محدقة بصمت في المقعد أمامها، والأبناء ينظرون ...