الحلقة الثالثة


سمعت ابتهالات أصوات طرق على الباب. كانت "ست كريمة المصرية" جارتهم، وقد سار عليها اسم رغم انها ولدت لأب سوداني تزوج من أمها  المصرية وعاشت حياتها في السودان. لكن لكنتها اللطيفة وشخصيتها الجريئة سير الإسم عليها. 

"معليش يا هولة، الليلة أجازة البت، وعندنا عرس بالليل فقلت أمشي الحنانة خطفة كدا، بس أعمل لي موقة خفيفة، ساعة بالكتير وآجي اخد البنات، وين ماما؟ سلميلي عليها"

وانطلقت مسرعة قبل أن ترد ابتهالات انها وحدها في المنزل. نظرت إلى التوأمتين، اللتان بدورهما حدقتا فيها. 

سألتهما مترددة "نطلع فوق؟" ، اومأتا بخجل وتبعتاها إلى الداخل.

التفتت نحوهما وسألتهما " نشوف كرتون؟"

نظرتا إلى بعضهما وتبعتاها في صمت. جلستا أمام التلفاز ، وبفضول خفي يسترقن النظر نحو هذه البالغة التي هي أكثر خجلا وارتباكا وصمتا منهن. وقد شجعهما هذا الصمت والإرتباك على التحول من الإيماء إلى الهمس بينهما. سرحت قليلا قبل أن تضيف "نشرب عصير؟"، فتشاورتا قليلا وهمستا " اي"

كانت والدتها تعتبر علاقة ابنتها مع الصغار كارثية تطلب تدخلا عاجلا منها، سواء كانت علاقتها من مازن وملك أو علاقتها مع التلاميذ في المدرسة التي آل الأمر لأن تعمل فيها بعد أن عرضت عليها مديرة مدرسة أولادها العمل، مستثمرة في السمعة التي ستأتي للمدرسة بتعيين معلمة من "لنضن". 

" حرام عليك الأولاد حيقوموا مبومين زيك، اتكلمي معاهم أضحكي معاهم، اقعدي معاهم في الواطة دي، أنا ما شفت أولاد زي شفعك ديل، وأولاد المدرسة ديل بتدرسيهم كيف؟"

كيف؟بالحيرة الكاملة الغامرة!

 ولكن كان  لهذه السلبية فعلها في الأطفال، وكأنها لم تكن سوى وعاءا شفافا لرسائل كونية خفية تحملها إليهم، تظل أعين الأطفال معلقة بها، بكل حركة وسكنة ، كأنها كائن أثيري على وشك التلاشي .

طرق اخر على الباب ، "دي بتكون حبوبة"، تثاقلت البنات على الرد وقد راق لهن المكان مع هذه الغريبة الصامتة. فتحت الباب.

"سلام شهاب!"

كان عائدا لتوه من المصنع. استلم  شهاب وهو الإبن الوحيد أعمال الأسرة بعد رحيل والده تاركا شهادته في علم الرياضيات. شركة زراعية ومصانع جوالات وأضاف في عهده مصنعا للورق .

هبت عليها نفحة من عطره مخلوطة برائحة المصنع وعرقه، وتلاصفت خصل فضية من شعره تحت شمس الظهيرة . (شهاب قابيل!) كما كانت تسميه صديقتها رجاء مازحة. كان القلق باد على وجهه.

"البنات موجودات هنا؟ ما لقيتهم في البيت وأمي ما بترد على التلفون"

تخيلت ابتهالات جسد ست كريمة الممتلئ على العنقريب تمد يديها ورجليها وعليهما (موقة خفيفة) من الحنة.

"موجودات، ست كريمة عند الحنانة، دقايق أناديهم"

لمحت الضيق في وجهه. وعندما عادت بالبنتين وبهما حيوية خفية اذ كانتا يتقافزان مرحا، اعتذر عن فعل والدته. هزت ابتهالات كتفيها : "عادي، نحن جيران" . وكانا يعرفان أنهما يسكنان في أحد أحياء الخرطوم الجديدة التي لا "عادي" فيها بين الجيران.
"شكرا" ثم التفت مترددا "نحن بنتلم كل فترة في كافيه (أوليه) القريب من هنا، الليلة متلمين، تحبي تجي معانا، ممكن أغشاك بعد المغرب كدا"

في ثانية حسمت أمر ترددها من اجتماع لا بد أن يأتي بإسم خالد، نحو حالة من اللامبالاة

"ممكن، اوكيه"

ابتسم -وكان قليل الإبتسام حسبما تتذكره في الجامعة "إذا، حمر عليك بعدين، ما عندي تلفونك"

تبادلا أرقام الهاتف. ودخلت إلى المنزل وقد اعتراها ندم فوري على قرارها ، صورتها كأرملة وما يتطلبه ذلك من حزن نبيل ووقار، أسئلة حول لندن، ذكريات نبذت نفسها عنها تماما.

لحظات ندم تغطيها مرة أخرى موجة من اللامبالاة.

راقبت ابتهالات قدم أمها المتوترة، معربة عن اعتراضها الشديد. "أفتكر مافي داعي". صمتت ابتهالات دون رد. "حيسوقك شهاب؟"

........

"براكم؟"

لم ترد ابتهالات وهي تلف ثوبها حول جسدها ، وقد جدلت ضفيرتها ثم عقصتها في كعكة مضغوطة.

هنا تدخل والدها " جارنا يا حنان مافيها حاجة، وزملاء في الجامعة، اصلو ماشين وين؟"

كان والدها مشفقا على ابتهالات التي كانت تمضي في حياتها كالمنومة، تطيل السرحان نهارا، ويسمع تقلبها في الفراش ليلا. ووالدتها أيضا خافت أن يصيب عقلها شيئا، لذا سمحت لها بالخروج لكن ليس دون أن تعلن عن اعتراضها بجمل كثيرة متنوعة.

دس أبوها يده في جيبه "محتاجة قروش؟" ، "لا معاي"

أطال النظر إليها، مفكرا في ابنته التي تتحدث إليه من واد سحيق، تراه ولا تراه، تحدثه ولا تحدثه

"أنا جاية"، أغلقت الهاتف وحملت حقيبتها خارجة.

حدس شهاب أن ابتهالات لن تسأله عن غياب رشا زوجته، وبدا له وكأن الأمر لا يعنيها، وقد أراحه ذلك، فالتساؤل غير المنطوق الذي يراه في عين أمه وفي أعين الشلة كان يدخله في حرج عميق.

"أمي قالت لي شغالة في المدرسة الجمبنا"

"مدرسة الأولاد"

"كويس شديد، خليتي هندسة الزراعة؟ ما اشتغلتي في مجالك؟"

بدا السؤال لإبتهالات غريبا فتبسمت وأجابت بإقتضاب "لا" بينما استرسل عقلها مفكرا في كون الهندسة الزراعية مجالها! وكأنها كوكب لها محور ومجال، ولم تكن سوى غبار ذري يطوف حول مجالات عدة، من بينها سنين دراستها في الجامعة. وعلا في ذهنها صوت أمها مرددا على الدوام "دراستك الما استفدنا منها دي، الجنينة دي حرقت وما عملتي لينا فيها حاجة!"

فكر شهاب: لم تتغير! هي هي منذ أيام الجامعة، نادرا ما تفتر شفاهها عن كلمة، دوما ذلك الحضور الصامت الغامض، وعيناها اللتان لا تفوتان تفصيلة حولها وكأنها سائح على الحياة، وتلك اللحظات التي تبدو منغمسة فيها في عالم داخلي يخصها وحدها.

كانت هي الوحيدة التي تأنس لها رشا، وتسمح لها بالإقتراب منهما. رغم أنها كانت تثقل عليه بجلوسها الصامت المتفرج.

"الفاتحة!"

ارتبكت ابتهالات من مشهد الشلة ملتفة حولها في منتصف الكافيه، فرفعت يديها والدهشة بادية في وجهها. ثم،

"لكن ما اتغيرتي يا إبتي، ياكي زااااااااااتك من أيام الجامعة"

(إبتي) مرة أخرى

صخب وأسئلة كثيرة لا تنتظر الإجابة ولا تبالي بها ،أحاديث مشتتة. الشلة أيضا هي ذااااتها منذ أيام الجامعة.

ابتسمت هنا، اومأت هناك، اضافت كلمة هنا. لكنها لم تسألهم سؤالا عن حالهم و ما آلوا إليه.

شهاب كان منزويا مع أحدهم منهمكا في حديث جدي، يشد على السيجارة وينفخ في الهواء، يداه تشوحان وترسمان نقاطا وبنودا وأمورا لا بد ترتيبها، هكذا بدا الأمر لإبتهالات والتي كانت تتابع كل حركة فيه.

شاي! قهوة! كابوتشينو! ليمون! كلوب ساندويتش لأنها جاءت من المكتب دون غداء!تشيز كيك!مد كيك...

كان الجميع مسترخيا في الليل الذي بدا لها طويلا، نظرت إلى ساعة الهاتف واضعة لنفسها خطة من أربع دقائق بالضبط، استجدت الثواني حتى رسم الهاتف رقم ثمانية.

وقفت فجأة. "طيب يا جماعة عن إذنكم ، تأخرت". صخب من الترجي الزائف أغرق أذنيها "لسة بدري" "اتونسي"، بعضهم وقف نصف وقفة مودعا.
حركت فمها بكلمات غير مفهومة بدت وكأنها اعتذار. جيهان الجميلة، أمسكت بيدها حاملة هاتفها في اليد الأخرى "أديني تلفونك لااازم نتقابل". أقلقها ذلك الوعد لكنها استسلمت وأعطتها رقم هاتفها.

أسرع شهاب بإطفاء السيجارة وقف وباقي حديث يتقطر من فمه مع صديقه. لكنها أجابت مبتسمة " حاخد ركشة البيت القريب". أومأ برأسه. وهربت.

شعرت بدفقة هواء بارد على وجهها خارج المقهى، واتسعت رئتاها للنسيم ورنت نحو سماء مليئة بالنجوم.

 

 


Comments

Popular posts from this blog

الحلقة الرابعة

الحلقة الخامسة

الحلقة السابعة