Posts

الحلقة التاسعة

  في البدء ترددت، تكبلها سنين من تعليقات النسوة  "يابسة!"  "ما تعصبي كدا"  "يا بت انفنسي، افردي ضهرك! " "مخشبة" لكنه حين انطلق اللحن ب "يا ما شايلك فيني حايم، كالليالي المخملية"، فردت ذراعها وقوست كتفيها حتى كادا أن يلتقيان، فاندفع صدرها في موج الليل، وخف قدميها يمنة ويسرة في خطوات متقاربة، وانثنى عنقها نشوانا مثقلا بالطرب حتى انسدل حرا على ظهرها. كان مشهدها أخاذا، ارتبكت الشلة من حولها. وتعلق ضوء السيجارة عند نقطة واحدة لا تتحرك. ثم نهض شهاب مسرعا نحو سور السطح ينفث ما تبقى من سجارته. "لا تطا الورد الصبية" ، لا تطأ الورد الصبية. نفث الأصدقاء في وجهها استحسانهم ودهشتهم، فأحست بسخونة تعلو خديها، انزوت عنهم نحو شهاب. الذي ظل محدقا أمامه في الظلام، حاولت أن تتبين حاله: ضيق؟ حرج؟ اخيرا، القى بالسجارة من على السطح والتفت نحوها فجأة ، يحاول لجم الكلام الذي كان محتما له الانفلات : "حسيت اني عاوز أشيلك وأجري بيك من هنا" ارتبكت ابتهالات. عشر سنوات منذ ان ضربت ضفتها مثل هذه المشاعر، وقد انحسر عنها المرحوم منذ زوا...

الحلقة الثامنة

     صحبته بصمتها النارجيلية في طريقه إلى العمل، يطالعها فيحس بصدره يتسع، كأن حزمة ضوئية تقتحم ظلام حاجزه الصدري فتملأ قلبه ورئيتيه. لولا تلك البصمة لكن مر عليه يوم عمل رتيب اخر،  لكن كل شيء بدا له حيا مثيرا، شكاوى العمال، قطع الغيار المعدومة في السوق، تعنت المراجع وقلة حيلة المحاسب، فاتورة الكهرباء الجنونية، سكرتيرته الكئيبة، حتى أشعة الشمس الحارقة من النافذة بدت له مشرقة!  قرابة انتهاء اليوم، هتف له خاطر أنه ربما قد انمحت البصمة مع على شباك السيارة، اضطرب، واحس بساعة العمل الأخيرة تسير أبطء من المعتاد، لم يحتمل فأغلق جهازه ولملم الأوراق على مكتبه، وسارع نحو العربة لاهثا مركزا بصره نحو النافذة، واقترب  شيئا فشيئا حتى لوحت له البصمة ، فارتخت أعصابه. انبسط ساعداه على المقود ، وتقافزت أصابعه مترنمة على أغنية من المذياع،ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه. لم يتأثر بهاتف رشا تخبره بما تعرف أنه سيضايقه " لا أستطيع احضار البنات اليوم إلى المنزل، طرأ....شيء..ما، سأحضرهم الأسبوع المقبل" رمت بالطعم مترقبة موجة عارمة من الغضب و الغيظ المكبوت "ما هو هذا الشيء؟ انت تخ...

الحلقة السابعة

  رضخت ابتهالات أخيرا لإلحاح أمها في أن تذهب إلى العرس.   "ما ظريفة! جيهان دي وصلتك لحدي هنا في البيت مخصوص عشان تعزمك لازم تمشي تجامليها" قطبت ابتهالات حاجبيها منزعجة، جيهان التي ملأت البيت برائحة عطرها الأخاذ وملابسها شديدة الأناقة جاءت لتشبع فضولها، لم تلحظ أمها كيف أن عينيها تجولت في أرجاء المنزل وتشممت كل شاردة وورادة في محاولة منها لرسم صورة لحياة أرملة خالد ابن الشلة. قلبت والدتها في خزانة ملابسها "ما عندك حاجة للمرقة. ارحكاكي السوق نجيب ليك لبسة تكون محترمة ما يقولوا راجلها مات بجاي وهي انطلقت بجاي" سرعان ما ندمت حنان على قولتها، لكنها حين لمحت وجه ابتهالات اللامبالي خف عنها احساس الذنب. ثم تطوعت "عندي تياب ظريفة جدا، والتوب حلو فيك يا ابتهالات" تابعت حديثها نحو غرفتها وخزانة ملابسها بينما تنهدت ابتهالات واجمة. فوق أنها ستلتقي الشلة المزعجة ستنتهكها أجواء وأضواء العرس الصاخبة. نظرت إلى مازن وملك، لو أنهما يتعلقان بها باكيان "ياخ حتى أولادك ما زي الأولاد! كل الأولاد لما يشوفوا أبوهم بيجروا عليه ، بينضموا، بيلعبوا، بيجروا، لكن شافوكي...

الحلقة السادسة

اقتربت منها المرأة المغطية لوجهها كما عادة أهل البلاد، ودست في يدها كتيبا ورقيا صغيرا وتمتمت "فك الله ضيقك". نظرت حنان إلى الكتيب "إبتهالات الجيلان لمضائق الزمان". تأملت حنان في ما يفرقها عن هذه المرأة ، هي من بلد والمرأة من البلد، هي الثائرة على التقاليد والمرأة على التزام بها، هي التي لا تؤمن بالغيبيات وتراها خدعة من الكهان لكسب المال من البؤساء وامرأة تدس في يدها كتيبا فيه غيب الغيب مطبوعا طباعة إستهلاكية جاهزة للبيع. لكن حنان لمحت في عينيها أنها عرفتها تماما، وقرأت يأسها وحزنها كله. المرأة لم تقطع فقط المقاعد الفاصلة بينهما في عيادة النساء والتوليد بل قطعت فيافي من الغربة. دست حنان وجهها في يديها تخفي دمع تسرب خلسة، ثم قلبت في الكتيب : يا جيلان      يا ابن خير من في الأكوان لاح نورك  في جميع الأزمان هاج قلبي واعترتني الأشجان اشفع لي بالحبيب العدنان عند رب العرش ذو العطاء المنان يلقي علي عظيم البرهان ويسبل علي ثوب الرضوان "لا بأس، سجع لطيف، وإن اختل وزنه" قلبت المزيد من الصفحات "لاقني في البرزخ يا جيلان حيث مرج همي وغمي يل...

الحلقة الخامسة

تملت في كل تفصيلة من ملامحها وكل لفتة وسكنة لها، مأخوذة بهذا التحول الجوهري فيها الذي أحالها لكائن فائق النعومة. رشا. يا للتحول الهائل في زواياها، زوايا نظراتها وحديثها ومشيتها وحركة يديها. رشا التي كانت في الجامعة، صاحبة المشية الصارمة الأنفة، والنظرات الحادة، والحديث المقاس بالمللي مع الكل عدا شهاب، التي تستطيع أن تطرد كل المتطاولين حولها دون حتى أن تنظر إليهم، وكأنها تنفث غازا ساما يعزل العواذل عنهما. وجهها المترقب الحذر، نظارتها السميكة ذات السلاسل الذهبية الرقيقة، كانت ترتدي شبه زيا موحدا للجامعة، قمصانا قطنية سادة بألوان متعددة أصفر أخضر أحمر برتقالي، وسكيرت أبليسية (متعدد الكسرات) سادة بكمرة مطاطية، وتصر أن تشنط عاليا عند الحاجب الصدري- رغم أن الدولة وقتها كان لها موقف أيديلوجي ضد التشنيط، لكن ما من أحد كان يجرؤ على مخاطبة رشا التي كانت لها هالة تقول: انا ابنة تقاليد الطبقة المتوسطة الراسخة الجامدة. فشر من يحاول أن يشير إلي ولو بنصف اصبع. والكل يعرف ان الطبقة المتوسطة هي عقدة النظام التي لم يستطع تجاوزها، تجاوزها بالمال وتطلعت أعين الطبقة إليهم طامعة، حانقة..لكن بالقبول؟ ظل ...

الحلقة الرابعة

  عنيدة كالمهر عنيدة كالبغل عنيدة كالمهل   عنيدة كالمهر: سيقول من يعرفها، ليس هناك ما يلفت في ابتهالات، مما جعل حضورها الصامت محتملا ممن حولها، فهم نادرا ما يلحظونها.  لم تسرع في خطاها يوما، لا للحاق بمحاضرة، او امتحان، ولا في المظاهرات، كان في مشيتها تسليم كامل للأقدار.  لها بشرة داكنة ناعمة، لا خضراء نائرة ولا رائقة، وأيضا ليست باهتة، لون عكار البحر. وكانت تحني كتفيها وتميل رأسها وكأن عنقها ينوء من ثقله.  في لحظات نادرة، نادرة جد، حين تجر كحلا في عينها، أو تقرر فجأة لبس قرط صغير، جد صغير. تتغير هيأتها تماما، وكأنك تبصرها لأول مرة، شي يجعلك تطيل النظر فيها وتتعلق بها. ولكن فوق ذا وذاك كان سرها الذي حفظته طوال حياتها بعيدا عن الأعين في ضفيرة محكمة تطويها وتلفها وتوضبها. لم ينكشف السر سوى مرتين ، مرة في مدرستها الثانوية وثار الفصل وماج، وامتدت الأيدي نحو رأسها ، وانفرط شلال من الشعر الداكن الطويل الغزير. لملمته من أيديهم مسرعة. ولم يكن ذلك خوفا من الحسد، إبتهالات كانت تتجنب كل ما من شأنه أن ينبه الناس إلى وجودها.  المرة الثانية كان مع شلتها الصاخ...

الحلقة الثالثة

سمعت ابتهالات أصوات طرق على الباب. كانت "ست كريمة المصرية" جارتهم، وقد سار عليها اسم رغم انها ولدت لأب سوداني تزوج من أمها  المصرية وعاشت حياتها في السودان. لكن لكنتها اللطيفة وشخصيتها الجريئة سير الإسم عليها.  "معليش يا هولة، الليلة أجازة البت، وعندنا عرس بالليل فقلت أمشي الحنانة خطفة كدا، بس أعمل لي موقة خفيفة، ساعة بالكتير وآجي اخد البنات، وين ماما؟ سلميلي عليها" وانطلقت مسرعة قبل أن ترد ابتهالات انها وحدها في المنزل. نظرت إلى التوأمتين، اللتان بدورهما حدقتا فيها.  سألتهما مترددة "نطلع فوق؟" ، اومأتا بخجل وتبعتاها إلى الداخل. التفتت نحوهما وسألتهما " نشوف كرتون؟" نظرتا إلى بعضهما وتبعتاها في صمت. جلستا أمام التلفاز ، وبفضول خفي يسترقن النظر نحو هذه البالغة التي هي أكثر خجلا وارتباكا وصمتا منهن. وقد شجعهما هذا الصمت والإرتباك على التحول من الإيماء إلى الهمس بينهما. سرحت قليلا قبل أن تضيف "نشرب عصير؟"، فتشاورتا قليلا وهمستا " اي" كانت والدتها تعتبر علاقة ابنتها مع الصغار كارثية تطلب تدخلا عاجلا منها، سواء كانت علاقتها من مازن...