الحلقة الثانية

 

"عادل مافي، حيتأخر"

عاينوا ! لمياء زوجة عادل أخو المرحوم خالد ليست غبية ولا شريرة ولا هي مهجسة. بل على العكس تماما، هي إمرأة ذكية جدا جدا، تعرف تماما مكونات مملكتها الزوجية التي أشرفت عليها كاملة لثماني سنوات تفانت فيها لصد كل المنغصات والمفرقات وتعرف تماما-تماما!- الظروف القدرية التي تجتمع لتجعل المستحيل: ممكنا!

عادل- صدقوا أو لا تصدقوا يا معشر السودانيين الساخرين من الرومانسية السودانية والمؤسسة الزوجية- لا يزال متيما بحب لمياء كما التقاها أول مرة بزيها الثانوي المبرقع وهي تتقافز بين الخيران المطرية، بحاجبيها المنتظمين، وعينيها الكحيلتين (والتي تجادل الناس كثيرا حول طبيعتهما فهي لم تر بغير كحل ولا يوم من حياتها، حتى حسم الأمر في عزاء والدها) وكانت لها شفاه مرسومة تثير العجب في كل حال من أحوالها، إن افترتا برفق كاشفتين عن أسنان ضاحكة براقة، أو مالتا على جنب في مطاعناتها اليومية للجارات تذكرهن دوما أنها الأجمل، والأشطر، والمدبرة، والأهم من ذاك :المحبوبة والمدللة من زوجها.

أو كما هما الآن مشدودتان غيظا وترصدا لهذه الأرملة الشابة التي حلت على حياتها من حيث لا تعلم.

"اي عارفة " ردت ابتهالات بحذر ثم أضافت بإبتسامة "في النعنشة"

وهنا ، أخيرا بعد قرابة عام من مجيء ابتهالات، استرخت عضلات وجه لمياء وابتسمت ابتسامة بديعة

"بتعرفي النعنشة؟"

كانت النعنشة من حكاوي خالد المفضلة

"أين سوى في السودان تجتمع التقوى بالنشوى والورع بالبدع، عادل هذا وشلته يستيقظون باكرا كل يوم جمعة، فيغتسلون ويتخللون ويتأهبون لصلاة الجمعة وكأنه يوم عيد! عادل يقف صباح كل يوم على قدرة البليلة التي شدتها لمياء ليلا ليوزعها على الشماشة والجوعى من الحي، ثم يتفرق هو وصحابه في جولة يعودون فيها المريض ويفقدون الوحيد ويواسون الفقيد، يعصرون جنيهات هنا وهنا قد تسد حاجة، وبعد افطار الجمعة الأسري، ينقلبون نحو المسجد، ليعود كل واحد منهم مسبحا بحمد ربه يتناول "العدة" من منزله، ويركبون عرباتهم نحو المزرعة، حيث يقضون باقي يومهم في اللهو والغناء والكشاتين حتى إذا ما أسبل الليل، واقاموا صلاة العشاء، بالكاد تلتفت أعناقهم للتسليم حتى تمتد أيديهم نحو كريستالات وباغات العرقي، شراب تقيل وغناء فاحش ورقص ماجن.! فيأتي الترابي وجماعته ظانين أنهم بوسعهم أن يلغوا هذه التناقضات بجرة قلم، دايرين تحكموا ناس ما بتعرفوهم؟"

"حكى لي المرحوم"

 منذ رحيل خالد راق لها أن تسميه المرحوم، تطوي بها في كل مرة صفحتهما سويا، المرحوم: كفضية مهملة في منزل حبوبة، ضاع مفتاحها.

مدت للمياء كيس غيارات لأولادها . استلمتها لمياء مقطبة من جديد "وليه قاطعة المشوار دا عشان تجيبي الغيارات؟ هدومهم بنغسلها ونكويها أول بأول وهديك مطبقة في الدولاب"

تربت إبتهالات في بيت إمرأة قوية فصيحة، لا تحتاج لألاعيب الكلام كي تحدث عن ما في نفسها، و لم تأخذ ابنتها عنها لا الفصاحة ولا القوة ، لم تسفر هذه التربية سوى حيرة كاملة أمام المطاعنات. لذا كثير ما تجد لسانها معقودا أمام الكلام المحمل بالكلام


"معرس لي روبوت"

 

وجدت نفسها تقول دون مواربة " قلت أساعد، لكن ما عارفة كيف؟"

هنا اقتربت منها لمياء وقالت بصوت ناعم "يختي الأولاد ديل أرجعي بيهم بلدهم ، ماااا بيقدروا على محن السودان دي"

كان مازن يواجه وقتا عصيبا في المدرسة من تعنيف و تهكمات أترابه على لغته المفككة وانطوائه الخجول، فجاءت به إلى عمه لتسأله المشورة

"قالوا لي أن أواجه أم الولد الذي يضايق مازن، ومشيت فعلا إلى المدرسة ولكني ترددت وعدت إلى المنزل، ما قدرت"

"بت أصول!" هكذا رد عادل بإبتسامة حانية بينما مصمصت لمياء شفتيها العجيبتين.

"الحقيقة أمي هي التي شارت علي أن أقوم بالمواجهة"

"حبوبته وزعلانة عليه.  لكن هكذا هم الصغار مع بعضهم البعض، بينهم المشاحنات والمناكفات، إلا أنه على مازن أن يتعلم كيف يرد عليهم ويخاشنهم ، جيبيه وأخته ليقضوا الإجازة بيننا فينطلق لسانهم بالكلام مع أبناء عمهم ويتعاركون في تراب الحي يتدافرون ويتعافرون" كان حديثه عفويا لطيفا غير الذي تجده من والدتها التي تلف كل حركة لها وسكنة بشائك الحديث عن التقصير.

"الأولاد ديل أحسن ليهم يرجعوا بلدهم، ما بيقدروا على حاجات السودان دي"

مال عادل نحو زوجته مداعبا و عاارفا "ودي ما بلدهم يا لمياء؟"

تناهى صوتها نحو الجد، الذي هدر متأثرا "أمال دي شنو؟ دي ما بلدهم، ونحن ما أهلهم؟ يرجعوا كيف؟ دي ما بلدهم؟ بلدهم! ولا ما بلدهم؟"

تنهدت لمياء بضجر "بلدهم يا حاج بلدهم"

 

بحساب منطقي فطري للمياء، بغض النظر عن النوايا البائنة لكل الأطراف: عادل يحبها، وابتهالات لا تفكر في الزواج ولا في عادل. ولكنها أرملة أخيه، تواجه لحظات ضعف، وعادل يحب الشهامة وبه ضعف ورقة وفوق كل هذا وذاك ،عندك هذا الجد الخرفان الحزين على فقد ولده والذي سيظل ينثر أفكارا خبيثة لجمع الأولاد واحياء سيرة المرحوم وعدم إدخال غريب وفعل خير في الأيتام وكل هذه الهراءات! فليس في يد لمياء أن تستكين للحظة لسذاجة النوايا الحسنة!

تقلبت الحافلة في طرقات العاصمة المظلمة وفي جوفها ابتهالات تتقلب أفكارها ومشاعرها حول ما حدث وما يجب أن يحدث، البقاء أم العودة، وأيهما نارهما أشد، وكعادة عقلها مع القرارات المصيرية، انصرفت عن التفكير فيها لتلتهم عينيها الدروب والدكاكين والكباري والأشجار ومنظر البيوت النائمة الساكنة المطمئنة، لتتساءل "ترى ؟ كيف طعم الطمأنينة؟"

 

أستغربت لمياء للحبشية الشابة المسترخية على الكرسي أمام التلفاز، نظرت إلى ابتهالات بفتور وابتسامة مجاملة وتابعت المسلسل الهندي.

شرحت لها أمها"جارتنا كريمة المصرية ذهبت مستعجلة للمستشفى لتحضر ولادة ابنة أختها، ولم ترد أن تترك حفيدتيها لوحدهن في البيت، ابنها سيتأخر في المصنع ولكنه سيأتي بعد ذلك ليصطحبهما . البنتان نائمتان في غرفة الأولاد"

حضر والد البنتين، فحملت الأثيوبية واحدة بينما حملت ابتهالات الثانية

"سلام عليكم إبتي، كيف الأحوال والأولاد، جيتكم أيام البكاء لكن ما لاقيتك، البركة فيكم والدوام لله، خبر خالد فاجأنا كلنا والله والشلة"

"إبتي" لم يناديها أحد بهذا اللقب منذ أيام الجامعة، انتبهت لحظتها وتذكرت أن "شهاب" جارهما هو زميلها وفرد من شلة خالد اللامعة والمعروفة. لمحت حاجب ابنته المقرون وشعرها المجعد وبشرتها البيضاء. "تزوجت رشا إذا؟"

اجاب بإبتسامة شاحبة "ايوة" وأشاح بعينينه ثم مضى مسرعا.

Comments

Popular posts from this blog

الحلقة الرابعة

الحلقة الخامسة

الحلقة السابعة