الحلقة الرابعة
عنيدة كالمهر
عنيدة كالبغل
عنيدة كالمهل
عنيدة
كالمهر:
سيقول من يعرفها، ليس هناك ما يلفت في ابتهالات، مما جعل حضورها الصامت محتملا ممن حولها، فهم نادرا ما يلحظونها. لم تسرع في خطاها يوما، لا للحاق بمحاضرة، او امتحان، ولا في المظاهرات، كان في مشيتها تسليم كامل للأقدار.
لها بشرة داكنة ناعمة، لا خضراء نائرة ولا رائقة، وأيضا ليست باهتة، لون عكار البحر. وكانت تحني كتفيها وتميل رأسها وكأن عنقها ينوء من ثقله.
في لحظات نادرة، نادرة جد، حين تجر كحلا في عينها، أو تقرر فجأة لبس قرط صغير، جد صغير. تتغير هيأتها تماما، وكأنك تبصرها لأول مرة، شي يجعلك تطيل النظر فيها وتتعلق بها. ولكن فوق ذا وذاك كان سرها الذي حفظته طوال حياتها بعيدا عن الأعين في ضفيرة محكمة تطويها وتلفها وتوضبها. لم ينكشف السر سوى مرتين ، مرة في مدرستها الثانوية وثار الفصل وماج، وامتدت الأيدي نحو رأسها ، وانفرط شلال من الشعر الداكن الطويل الغزير. لملمته من أيديهم مسرعة. ولم يكن ذلك خوفا من الحسد، إبتهالات كانت تتجنب كل ما من شأنه أن ينبه الناس إلى وجودها.
المرة الثانية كان
مع شلتها الصاخبة التي اختارتها فضولا، لتبصر بعجب كيف يخاطب الناس بعضهم البعض ،
وكيف يفصحون عن آمالهم وأحلامهم وخيبات أملهم، اختارتها أيضا لتختبئ بينهم. من ماذا؟
رجاء صديقتها
تشوح بصخب في أمر ما فاشتبك خاتمها المدبب بخصلة من شعر ابتهالات، واصلت في حديثها
ساهية تفك ما علق على خاتمها لتنتبه شيئا فشيئا لهذه الخصلة الطويلة العنيدة. "كديه
يا ابتهالات أشوف". أدركت ابتهالات مقصدها فشبكت يديها على ضفيرتها. بمرح لا
مبالي تآمرت عليها الفتيات ضاحكات صاخبات لفت أنظار الجميع إليهن.مددن أيديهن
إلى شعرها ليستلوا الضفيرة من مكمنها فإنفرطت وقد أمسكت كل منهن بطرف منه، افتر شعرها ناشرا سحره في المكان. بحرج شديد سحبت شعرها من أيديهن اللاهية لتدسه بخبرة في
مخبأه.
هنا كان
خالد متسمرا في مكانه، وكأنه يرى ابتهالات للمرة الأولى في حياته، مشدودا إليها،
مأخوذا بها. شغلته عن نقاشه الحماسي مع أحد الرفاق.
لاحقا وجدا أنها تشغل تفكيره
وكل حاله، عن إجتماعات المكتب الحزبية، عن ليالي السهر مع الصحاب في
الداخلية.
في البدء
كان عيناه تتعلقان بها إينما التقاها، ثم يوما بعد يوم يجد نفسه يتبع خطواتها، نحو
الكلية، مع صديقاتها، في الكافتريا، في المواصلات ولدهشته: أركان ومحاضرات منبر
الأحرار الوطني أو (ماو) ولم يكن حزبا ماويا ولا يساريا وثوريا ولا يحزنون، كان
تنظيما هلاميا كدا نشأ في فترة حكم عبود نائين عن الإستقطاب اليميني و اليساري
مدعين "وسطا" لا وجود له. أناس طيبون شاطرون مذاكرون مهذبون مشنطون جادون
جدا، ابناء طبقة متوسطة دنيا وعليا. يتبضعون في برامج وهتافات وشعارات وأشعار اليمين
واليسار فيختارون منه كوكتيلا أوبوكيه فكري لطيف أليف.
في هذا
التنظيم التقى والد ووالدة ابتهالات، وتقاسما التكاليف الحزبية ولاحقا الحياة. وورثت عنهم
ابتهالات مكانها في الحزب من باب البر بالبوالدين.
كانت ملتزمة
بحضور كل الإجتماعات ملبية لكل التكاليف الأليفة والتي تلخصت في تصوير بيانات أو إلصاق
بوسترات، او الإستماع بصمت للقيادة الطلابية الرشيدة.
ظل يهندس في
خطة الاقتراب منها، اقتنص فرصة كانت بعيدة عن صديقاتها، تؤدي مهامها الحزبية بإخلاص
في حضور ركن للنقاش، وقف بالقرب منها وهمهم ضاحكا بصوت مسموع الكليشيه المكرر عن
ماو "منبر التلاقيط، من كل بستان زهرة ولا شنو؟"
نظرت إليه
بطرف عينها ولم ترد وتابعت الركن. "إنتي ماوية؟" أومأت دون أن تنظر
إليه. استجمع قواه ليغطي ارتباكه "غايتو الماويين عزالين، بيعرفوا يختاروا
البنات السمحات"
بنات سمحات.
كانت تلك أول مرة تجد نفسها مضمنة في مجموعة البنات السمحات.
لم يشجعه
صمتها، حاول مرة ثانية "إنتي من صحبة ناس رجاء مش؟ شفتك أكتر من مرة"،
نظرت إليه خلسة وهزت رأسها إيجابا.
"أنا..إسمي
خالد، بقرا في قانون لكن قدامكم كتير"
"ايوة
عارفة" – الكل كان يعرف خالد، فتى الشلة اللامع، الحذق المفوه، عضو تجمع
اليسار السوداني أو "تيس" كما يحلو للخصوم مناداتهم. معروف بشهامته،
وحلاوة لسانه، وعلاقاته الطيبة مع الجميع، خاصة تلك العلاقة التي تجمعه مع الشلة
رغم انه من خارج .تقسيمها الطبقي. ثم إن صديقتها رجاء كانت تجبرهم على الجلوس قرب شلته حيثما حلت تحاول دون كلل لفت إنتباه "شهاب قابيل"
فكر خالد ثم
فكر حتى أعياه التفكير ، استسلم وأعلن انسحابه "فرصة سعيدة يا أستاذة".
لحظتها فقط، عند يأسه ، منحته ابتسامة مودعة مدته بالأمل.
تصيدها في الكافتريا مع صديقاتها ، مكثرا من
النكات والممازحات، ثم صدفة على الحافلة حيث تقاسما مشوارا (اضطر بعدها للعودة إلى
الداخلية حيث يسكن).
تعمد
انتظارها بعد جلسات "ماو" الفكرية الإسبوعية، ليعود معها، مبادرا لجرها في الحديث بنقد تاريخ
الحزب المخزي في التحالف مع اليمين تارة واليسار تارة أخرى، وهي تستمع في صمت
تتعجب من المفردات المشحونة بحماسة وغبن شخصي مثل "خيانة الحركة الوطنية، الميوعة
الفكرية، الإنتهازية التاريخية" . سرعان ما انصرف عن ذلك عندما علم أنه "حزب
أمي وأبوي" خشية أن يؤذيها فيمن تحب.
صرح
بحبه لها. لم تجب، لكنها أيضا لم ترده. فسلم أنها تبادله المشاعر أو بعضها
على الأقل.
كانت أكثر
ما تحب حين يقرأ لها شعرا. تحب تلويحة أصابعه في الهواء كأنه ينتقي ثمارا من بستان
الشعر، وكأن حريرة الشعر تندلق بين أصابعه فيتحسسها ناعمة في كفه. ويخصها بـ
"يا
فرس كل القبيلة تلجمه
يكسر
قناعاته ويفر
يسكن مع
البدو في الخلاء
ما يرضى غير
الريح تجادله تقنعه"
ويضيف
"كأنك لي ولست يا إبتي، قريبة وما قادر أملا إيدي منك، عنيدة، زي مهرة
حرة! لو تكوني لي"
فتهمهم أنها
له. كانت مأخوذة بوصفه لها ، وصف ساحر، تخيلت نفسها مهرة سوداء تكسر لجام
قبيلة وتفر تقطع صحارا وقفارا تداعب الريح، تظل ليلها باسمة فرحانة بصورتها التي
لا تعرف عن نفسها.
…
"أنا
ما عارف دا أسميه شنو؟ كبرياء؟ غباء؟ دلع؟ تجامة؟ زي البغل، ما دايرة تتحركي تجاهي
بأي حاجة، ياخي لو إنتي ما عايزاني اخترتيني ليه؟!!"
لو كلمة
تسعفها أو دمعة تعصمها من عسف الأسئلة التي لم تكن تملك لها أي إجابة، كانت تغرق
في بحر من العجز والحيرة. تود أن تخبره شيئا لكنها نفسها لا تدري ما هو، فتظل مكبلة
أسيرة صمتها الحائر.
…
منذ عودتها تجد
نفسها مدفوعة دفعا للإختيار بين ثنائيات: العودة أم البقاء، الوفاء أم الزواج، زيادة
الدخل أم رعاية الأبناء، هل تلوذ بأولادها بسكن خاص بعيد عن والديها أم تستمد
العون منهم، ترفق بالأولاد أم تشدد عليهم.
ولكن عقلها يعاندها في أن تزن الأمور ويصك عليها كل أبواب التفكير ولا يفتح سوى لباب الحيرة ليندلق في جوفها كالمهل
...
يصادفها عند باب منزلها، في طريقها إلى المدرسة، عند بائع الخضار، يلمحها عند شرفة المنزل ليلا، صدفة ؟ أم أن شهاب انتبه فجأة لوجود جارته الغامضة
Comments
Post a Comment