الحلقة السابعة
رضخت ابتهالات أخيرا لإلحاح أمها في أن تذهب إلى العرس.
"ما ظريفة!
جيهان دي وصلتك لحدي هنا في البيت مخصوص عشان تعزمك لازم تمشي تجامليها"
قطبت ابتهالات حاجبيها منزعجة، جيهان التي ملأت البيت
برائحة عطرها الأخاذ وملابسها شديدة الأناقة جاءت لتشبع فضولها، لم تلحظ أمها كيف
أن عينيها تجولت في أرجاء المنزل وتشممت كل شاردة وورادة في محاولة منها لرسم صورة
لحياة أرملة خالد ابن الشلة.
قلبت والدتها في خزانة ملابسها "ما عندك حاجة للمرقة.
ارحكاكي السوق نجيب ليك لبسة تكون محترمة ما يقولوا راجلها مات بجاي وهي انطلقت بجاي"
سرعان ما ندمت حنان على قولتها، لكنها حين لمحت وجه ابتهالات اللامبالي خف عنها
احساس الذنب. ثم تطوعت "عندي تياب ظريفة جدا، والتوب حلو فيك يا ابتهالات"
تابعت حديثها نحو غرفتها وخزانة ملابسها بينما تنهدت ابتهالات واجمة.
فوق أنها ستلتقي الشلة المزعجة ستنتهكها أجواء وأضواء
العرس الصاخبة.
نظرت إلى مازن وملك، لو أنهما يتعلقان بها باكيان
"ياخ حتى أولادك ما زي الأولاد! كل الأولاد لما
يشوفوا أبوهم بيجروا عليه ، بينضموا، بيلعبوا، بيجروا، لكن شافوكي مبومة بوموا"
أو لو أنهم ..لا لا بعيد الشر، ولو أن لو أحدهما مرض لكان
حجة مقنعة بعدم الذهاب. تنهدت مرة أخرى واستلقت على السرير.
عاد صلاح في المساء من هوايته الجديدة (الصلاة في المسجد)
سعيدا مبتسما مناديا من الباب "يا ابتهالات، شهاب دا قال بيجي بعد شوية يسوقك
العرس"
لحظت ابتهالات تجمد أمها وامتعاضة بدت تسري في وجهها وندمت
في الحال أنها ألحت عليها بالذهاب. حدجت زوجها بنظرة ساخطة "هسي صلاتك
الجديدة دي، مشيت تصلي ولا مشيت تقابض في الناس؟ مكلف ود الناس مالك"
توجس صلاح من نظرتها فأسرع بالقول معتذرا "هو براه
القابضني، ثم قال أنهم مجموعة متفقون على
الذهاب سويا للعرس، وانا كدا بكون مطمئن عليها"
مجموعة! لا بأس إذا! تفحصت حنان ابنتها راضية، حلق وجرة
كحل هذا كل ما يلزم ابتهالات ليحيلها إلى كائن ساحر، لا أحمر لا أخضر. ارتدت ثوب مزهر
بأرضية رمادية أو كما مازحها صلاح مسرا "على شفا أرملة" ، رخت عقصة
ضفيرتها قليلا، وانتعلت صندلا رماديا خفيفا.
رن هاتف صلاح "دا شهاب، أمشي ما تأخريه"
جرجرت ابتهالات قدميها، وترددت قرب غرفتها ، صاحت حنان
"الأولاد ما بتجيهم حاجة أنا حرقد جمبهم، وأفردي ظهرك تمشين كالمرأة
المسنة"
إرتبك شهاب لطلتها فتلعثم في فتح تأمين باب العربة، لم
يكن مستعدا لخليط رائحة الورد وجوز الهند التي اخترقت أنفه.
"سلام"
"وعليكم السلام"
تنفس الصعداء من انشغال ابتهالات بالنافذة وقد أمالت
رأسها على الزجاج ساهمة نحو القمر ونحو بيوت وأناس يغرقون في الظلام حينا ويطفون
على الأنوار الكشافة أوالخافتة حينا آخر.
سرعان ما امتلأت العربة بصخب الأصدقاء، وقفشاتهم،
يتقاذفون الأسئلة والمزاح بين بعضهم البعض وكل ما من شأنه أن يثقل على قلب ابتهالات،
اختلست النظر نحو شهاب في ظلمة العربة. مثلها تماما، شي بسيط كتشنيطة قميص عادي
وحزام لامع وحذاء مناسبات يحيلانه إلى رجل في غاية الوسامة. بدا لها حديث الصحاب
مبهما سوى الجمل التي ينطق بها شهاب.
في العرس، انزوت ابتهالات نحو طاولة بعيدة، جلس فيها الأقارب
القادمون من وعثاء سفر بعيد نحو العاصمة. لم تمسح ثيابهم الأنيقة وعطورهم وزينتهم
غبرة السفر ولا خيبة الأمل في الرحم المقطوع والذي لا يذكر إلا عند الفرح والترح. وجدت
نفسها غارقة في حديثهم بعيدا عن العروس الحلوة المبهرجة والعريس الذي ينشف عرق
اضطرابه بمنديل بائس وابتسامة تشق شدقه شقا، والأصدقاء يبالغون في التعبير عن فرحهم
فيحاصرون العرسان في حلقة من الرقص المكهرب لا فكاك منه، رنت تلك الذكرى في رأسها
فزادت من جزعها. التجأت إلى حديث الأقارب ، من كان مع من في الباص، ومن سيرجع مع
من ومتى؟ وبعض القطيعة في والدة العريس التي تضجرت من وجودهم في بيت زوجها ابن
عمهم وابن بلدهم.
كاد الضجر يهم بها حتى تذكرت فجأة "شهاب!"
فتسلت بالبحث عنه بعينيها في زحام العرس. بعد عناء وجدته قرب باب القاعة يدخن
ويشوح بيديه في حديث حي مع مجموعة من الصحاب.
أهذه ضحكته؟ أمال رأسه إلى الوراء، واتسعت ضحكته كاشفة
عن غمازة مستطيلة ساحرة على خده. فابتسمت ابتهالات.
فجأة رأته يعتدل عند حضور مجموعة من الضيوف، سيدة تمشي
بجلال وتؤدة، وسيمة الملامح، معها شاب طويل أنيق و..رشا. بثوب قرمزي داكن وساحر،
ضمت شعرها إلى الوراء وتدلت من أذنيها أقراط عنقودية قرمزية، شفاهها قرمزية وعلا
جفنيها لون قرمزي خافت. هرع شهاب إليهم وانكب نحوها مسلما فردوا سلامه ببرود. انسحبوا
نحو طاولة افرغت لهم في منتصف الحفل- لأهميتهم ربما، بينما تأخرت رشا عنهم للحديث
مع شهاب، كانت ابتسامتها تقطر عذوبة إلا أن عينيها كذبتها، عيناها كانتا تؤنبانه
بصمت.
أمسكت بيده وقادته نحو الفنان، بشرا سوية، ثم نحو العرسان
حيث وزعا ابتسامات سريعة على الحضور ، رقصت في الحلقة واثقة من سطوة حسنها على الجمع
الذي ابتعد مسافة عنها خوف أن يخدشوا شيئا من هذه الأنوثة النادرة. وجه شهاب كان
بادي التجهم وهو يكابد أن يكون اعتياديا ، رقصته كانت مرتبكة أو مرغمة، هكذا بدا الأمر لإبتهالات التي كانت تتابع المشهد
بمتعة بالغة.
اكتفت رشا بهذا القدر من الحضور فانسحبت نحو طاولتها، بينما
انزوى شهاب نحو صحابه. تابعته ابتهالات وهو يلملم شروده كي ما يعود إلى الحديث معهم.
بينما لملمت رشا غيظها وفردت ظهرها لتشي بالثقة والسطوة ووزعت سحرها على المكان.
اخيرا، رن هاتف ابتهالات، شهاب! نظرت إليه وجدته يشير
إليها بالذهاب.
مرة أخرى في العربة الصاخبة شقوا الطرقات المظلمة.
انسحبوا الواحد تلو الآخر عند منازلهم حتى بقيا وحدهما. عم الصمت في العربة.
أحست به يتردد بكلام ما في جوفه ثم أخيرا وقال بصوته الخافت
" يومتا..لما رشا جاتكم، إن شاء الله بس ما تكون زعلتكم بكلام" ثم أحس
أنه تورط بفضح حاله "في شوية خلافات بيننا و.."
"لا ما ازعجتنا" ردت بإقتضاب وحسم أراحه
كثيرا. وأمالت رأسها على زجاج العربة مرة أخرى. ارتخت أعصابه وعضلات جسده، حرك يده
نحو مسجل العربة. وهنا انطلق عود شجي وصوت مصطفى الندي:
"ما بان عليك سفر العمر، لسة الربيع يا دابو
زار"
أفلتت ابتهالات ساهية تنهيدة حارة. فالتفت نحوها شهاب ووجدها
محدقة في القمر وقد اكتسى وجهها بالسكينة.
"الناس عليك ناداها فال"
ذهبت هناك. إلى بداية رحلتها مع خالد، الذي أرضعها الشعر
وأغاني مصطفى بحنو عجيب. تذكرت ذلك الصفو قبل أن يتعكر، قبل أن يدفعها نحو التيه.
ولا تدري بعد لو أنها خرجت من متاهته.
شعر شهاب بها تتسلل إلى داخله فتملأ قلبه المنهك حتى بلغ
ذروته فصدح مصطفى
"وأنا جوة قلبي الكلو ليك..وأنا جوة قلبي المشتهيك
نزفت
جراحات
الودار"
أسرعت بالنزول عن العربة "تصبح على خير" وقبل
أن يرد، كانت قد أفلتت إلى داخل المنزل وأغلقت الباب.
تمدد شهاب على المقعد قليلا، أخرج سيجارة، سحب منها نفسا
طويلا نفثه ببطء شديد، وظل مع مصطفى.
في الصباح بينما هو ينظف عربته، لمح بصمة غريبة على
الزجاج، هناك، حيث اتكأت وأمالت رأسها ، سالت قطرات من دهن شعرها فلطخت الشباب.
تردد ماسحا الزجاج قربها، حولها. قرب وجهه من البصمة وخيل إليه أنه يشم عبقا من
جوز الهند والنارجيل.
Comments
Post a Comment