الحلقة الخامسة
تملت في كل تفصيلة من ملامحها وكل لفتة وسكنة لها، مأخوذة بهذا التحول الجوهري فيها الذي أحالها لكائن فائق النعومة. رشا. يا للتحول الهائل في زواياها، زوايا نظراتها وحديثها ومشيتها وحركة يديها.
رشا التي كانت في الجامعة، صاحبة المشية الصارمة الأنفة، والنظرات الحادة، والحديث المقاس بالمللي مع الكل عدا شهاب، التي تستطيع أن تطرد كل المتطاولين حولها دون حتى أن تنظر إليهم، وكأنها تنفث غازا ساما يعزل العواذل عنهما. وجهها المترقب الحذر، نظارتها السميكة ذات السلاسل الذهبية الرقيقة، كانت ترتدي شبه زيا موحدا للجامعة، قمصانا قطنية سادة بألوان متعددة أصفر أخضر أحمر برتقالي، وسكيرت أبليسية (متعدد الكسرات) سادة بكمرة مطاطية، وتصر أن تشنط عاليا عند الحاجب الصدري- رغم أن الدولة وقتها كان لها موقف أيديلوجي ضد التشنيط، لكن ما من أحد كان يجرؤ على مخاطبة رشا التي كانت لها هالة تقول: انا ابنة تقاليد الطبقة المتوسطة الراسخة الجامدة. فشر من يحاول أن يشير إلي ولو بنصف اصبع.
والكل يعرف ان الطبقة المتوسطة هي عقدة النظام التي لم يستطع تجاوزها، تجاوزها بالمال وتطلعت أعين الطبقة إليهم طامعة، حانقة..لكن بالقبول؟ ظل ذاك الباب موصدا أمامهم.
وحذاء بنصف كعب مدبب أسود بفيونكة أمامية. تشد شعرها الخشن إلى الوراء في كعكة متزمتة، وتحس أن خصل شعرها تحت نظام حكم صارم فلا تجرؤ واحدة على التفلت طوال اليوم. أحيانا تطلق سراح خصلتين أماميتين ليكون جبينها بين قوسين مشرعين ، وذلك في المناسبات الخاصة كعيد ميلادها ، او ميلاد شهاب، او عيد الحب او أسبوع الكليات .يستحيل أن تراها في أي وقت دون مكياجها المؤلف من حمرة صارخة وكحل عربي وتمهر حواجبها بتخطيط سميك وكانت لا تجد في رمضان عذرا كما تفعل الفتيات عادة. وكانت ترى أن التزين بغير الذهب بدعة وضلالة!! فكانت لها اسورة ذهب رقيقة وخاتمين رقيقين أحدهما على شكل وردة والاخر طائر تائه كدا، وسلسال رقيق بحروف اسمها، وساعة مذهبة من السعودية هدية نجاحها من خالتها. وفي مرة نادرة بدلت سلسالها بآخر تعانق فيه زهرة كبرى اخرى صغرى، تهامسوا أنها من شهاب.
حاول عبثا ان تلمح بأن الموضة تجاوزت هذه التشنيطة والفيونكة وقرني الإستشعار على الجبين! عبثا! رغم محاولات البنات المستمية في النيل من هذه الثقة المفرطة في الجمال والأناقة التي لا أساس لها على الإطلاق.
منذ تلك الأيام وإبتهالات مأخوذة بها، بدا لها وكأنها تعرف تماما ما الذي تريده من الحياة . كقاطرة على قضبان، تلتهم مسارها بتؤدة وعزم. هذه هي أسرتي، هذه كليتي، هذا هو المحبوب، هذه حيوات في المجهول أعرفها أنا وسأحصلها. بينما ها هي ابتهالات كأنما نذرت للحيرة!
كان لرشا جمالا خشن الزوايا، طرف خادش، وإبتسامة مضلعة، وهمس جارح. لكن المرأة الجالسة أمامها تهز قدميها متوترة رمشها قريب وابتسامة تقطر سحرا وحديثها لين برغم الضيق البادي عليها.
حنان والدة ابتهالات كانت تراقب المشهد بمتعة بالغة "ما تقعدي تشربي معانا شاي"
"معليش يا خالتو مستعجلة شوية، لازم أسوق البنات"
مالت متكئة على كرسيها وبإبتسامة جانبية أضاقت:
" طولتوا ما اتلاقيتوا انتي وابتهالات مش كنتوا صاحبات في الجامعة؟"
ارتبكت "مرة كان جيتكم في السماية ايام الولادة بتذكر" ، كانت تتحاشى النظر في ابتهالات
اتسعت ابتسامة حنان "اي صاح، لما عملنا العزومة في ولادة مازن، هي كانت في لندن وقتها عملناها وهي مافي، ما جيتي أيام البكا؟"
زاد ارتباك رشا وقالت بتضوع " البركة فيكم يا ابتهالات، أيامها أنا كنت في بيت ناس أمي كان في ظروف صعبة كدا، امي تعبانة، وما جيت الا هسي و..." هنا تحول تجاهلها لإبتهالات من تجاهل عدائي لتجاهل معتذر
ردت ابتهالات بإختصار "البركة في الجميع"
"خالد كان صاحبنا وزول عزيز علينا الله يرحمه، لكن ما اتلاقينا من سافر لندن، زعلنا لما سمعنا الخبر كانت صدمة لينا"
صمت ابتهالات تجاه هذا السيل من العزاء زاد من ارتباكها.
حنان كانت تهز قدميها طربانة.
وقفت على قدميها مودعة مع حضور ابنتيها "معليش عذبناكم".
باهرة الجمال في ثوبها المنزلي الذي لفته على عجل، في طريقها نحو الباب انتبهت للخطوة المرحة في مشية البنات، فشعرت بغضب يفور في داخلها، لحظتها التقت بشهاب الذي كان خارجا من المنزل، توجهت نحوه بخطى مسرعة تابعتها ابتهالات بنظرها ، دار بينهما حوار مقتضب لكنه مشحون كما بدا في حركة ذراعي رشا ووجه شهاب الممتقع.
"غايتو ست كريمة حتخرب بيت ولدها ولاااا بيهمها" علقت حنان ساخرة.
"ليه؟"
"هي ومرت ولدها ما بطيقوا بعض، دي مكنكشة في ولدها ما دايرة تفكو، ودي مرة عند أهلها، مرة معاهم هنا ما راضية ترسى على بر"
Comments
Post a Comment