الحلقة الأولى

الإعلان الصادر عن قمرة القيادة بقرب الهبوط في مطار الخرطوم، نبه ابتهالات أنها قضت ثماني ساعات من مطار هيثرو في عجز كامل عن مطاردة حتى فكرة واحدة. وكأن عقلها في حالة إغلاق تام.

من حين لآخر تمتد يدها لمداعبة شعر ابنها وابنتها، يلتفتان إليها فيلتقي الخواء في أعينهما بالخواء الذي في عينيها.

 

عجز كامل عن تصور حتى دقيقة مما سيحدث بعد الهبوط ولقائها بأهلها، وعن التفكير في الفاجعة التي قلبت عالمها رأسا على عقب.

 

 كذب!

 

أية فاجعة؟

وهي التي كانت تمضي في حياتها كالمنومة، لا رأس ،لا عقب.

 

من طرف عينها ، لمحت رجلا نحيلا، أسمرا، يجلس باسترخاء كامل على مقعده دون أن ينزل عينه من عليها، شعرت بنظراته تخترق جسدها بأكمله.

تحملت بصبر مداعبته لأولادها عبر الممر الفاصل بينهما:

"ما تعزبوا ماما، باين عليها تعبانة"

"ما شاء الله، بتتكلموا عربي؟ يو سبيكنق أرابيك؟ لازم تتعلموا العربي، تمشوا ناس حبوبة وجدو يعلموكم العربي والدين"

"يو لايك سودان؟"

استمات الرجل في محاولة استنطاق هذه الأسرة الصامتة، الأم محدقة بصمت في المقعد أمامها، والأبناء ينظرون إليه في جمود.

 

شعرت بموجه من الكره تنبعث منها نحو الرجل تذيبه زئبقا في الحال. 

ثم،

 

"لو سمحت يا أخ، محتاجة مساعدة"

اتسعت عيناه وابتسامته، ومد قامته نحوها قليلا "جدا اتفضلي"

"ممكن تساعدني في استلام الجثمان لما ننزل المطار،جثمان زوجي"

انطفأت ابتسامته وعيناه وملاحته واكتسى وجهه خليط من الورطة والخوف والارتباك "جدا جدا،أكيد"

صمت
"البركة فيكم ياخ"

دون أن تنظر ناحيته

"الدوام لله"

تمدد جسدها وانكمش هو ساحبا نظراته. سيرة الموت هي ترياق الرجل السوداني المتوسط. لا، ليس الموت، بل تفاصيله المادية الساحقة، جثمان، كفن، حنوط، ود اللحد.

 

بدأت الطائرة في الهبوط،  أغمضت عينيها، ضغطت على يديها "استجمعي فكرة واحدة تواجهين بها الجمع المنتظر، فكرة تودعين بها الماضي". عقلها ظل يتأرجح بعنف بين عجز وخواء. 

 

في صالون بيتها بلندن أسلمت أمرها لبسمات، جارتها اللطيفة، التي تجاهلت بحكمة وأدب عينيها اليابستين وغياب الفجيعة، بكت بالنيابة عنها، حضنت المعزين، قامت بالواجب.

في غياب المعزين تستيقظ ابتهالات، وكأن تنين من التدبير حل في روحها، وزعت أثاث المنزل، قدمت إنذارا بإخلاء الشقة، راجعت الدوائر الحكومية اللازمة لرحيلها عن البلاد، أخلت حساباتهم البنكية. 

ثم في الطائرة نام التنين.

 

أبصرت والدتها بين الجمع المنتظر، وقفتها التي تشبه محاربة من ممالك غرب إفريقيا ، قصيرة لكن وقفتها طويلة واثقة مقارنة بوالدها الطويل الذي يجعله حنوه ورفقه أقصر قامة. سنوات مرت كالنسيم على وجه أمها لم يتسنه. كانت تبحث عنها قلقة بين الحضور. ثم التقت أعينهما. تفحصتها من أعلى إلى أسفل، وشعرت بالرضا يكسو وجهها ، فابتسمت ابتهالات لوهلة، لمحت أمها الابتسامة واتسعت عينيها دهشة وقلقا، ثم زمت شفتيها متوعدة.

 

عاود ابتهالات القلق. فرد والدها يديه لأحفاده، فدفعتهما نحوه، وتلقفتها أمها محتضنة بشدة تجمع بين شوقها عليها وحنقها على ادائها الصامت. ولولت بصوت عال ، عددت فيه صفات زوجها ويتم أبنائه. صوتها اخترق قاعة الإستقبال التي توقف كل شيء فيها لمتابعة ما يحدث بفضول.

 

والد زوجها رجل قصير ممتليء القامة، هاديء مستدير الوجه، جر ابتهالات نحوه، فحست بدمعه الحار على عنقها، سمعت نحيبه المكتوم "قلناله خلي بالك..خالد فات.. الذي كنت أريده أن يدفنني ها أنا اليوم أدفنه"

هنا تراءت لها صورة خالد غير خالد زوجها، خالد الإبن البار اللطيف، المداعب لأبيه، المشيع للفرح في البيت الكبير، الهميم نحو كل حاجة وعوز.

تفاجأت بدموع سخية تنهمر منها، تهدج صوتها، مما شجعها أن تتقمص صورة امرأة نائحة، فشدت من يدها حول والد زوجها وتأرجحت معه باكية، فعلى صوته ونحيبه، حتى اقترب أخوه الأصغر عادل وفرق بينهما باكيا "لا إله إلا الله، استغفر الله يا حاج، الدوام لله الدوام لله"، كان عادل صورة من أخيه ، أكثر ضخامة، بعينين أكثر حنوا وتواضعا. احتضنها سريعا ثم حمل ابنيها، ملك ومازن بعيدا. 

 

كانت تلك هي لحظة البكاء الوحيدة على خالد. عندما امتدت إليها أذرع النساء الناحبات بالولولات والنحيب، شعرت بنفسها تغرق في دوامة من الحيرة والإعياء أدخلتها في حالة من الإغماء المتكرر طوال فترة العزاء.

 

استيقظت لتجد نفسها ممدة في سرير في غرفة من النساء الهامسات.

"مالها؟"

"مصدومة"

"لازم زول يديها كف قوووي عشان تبكي"

"امها لازم تكفتها"

وجدت ابتهالات أن هذا السيناريو كان مناسبا لها ، جنبها الإحراج الذي كان يمكن أن تتسبب به لأمها. ظلت عيناها معلقتان بالسقف، إذ لم يكن في جوفها جرعة من بكاء ولا حزن. 

 

مرت الأيام ورفع الفراش وتفرق المعزون، ليلتها شعرت بأمها تدخل الغرفة المظلمة، تتحسس طريقها نحوها.

 

"ابتهالات؟"

بعدها شعرت بأمها تهزها بغيظ، و تلكم ذراعيها لكما مكتوما 

"سوا ليك شنو؟ بس وريني سوا ليك شنو؟ دقاك؟ بخل عليك؟ عرس فيك؟ سوا فيك شنو يا أم عينا ناشفة، يا أم عينا بيضا، عشرة سنين معاه ما بتسوى دمعة؟ يا كلبة؟ عشرة الكلاب!"

 

سبع سنوات، كان هذا كل الذي نطق به عقلها في تلك اللحظة، سبع سنوات وليس عشر.

 

 

 

Comments

  1. يا إلله. الكتابة بديعة جدا، والنص غاية في التشويق

    ReplyDelete
    Replies
    1. تعيش يا عثمان، رأيك بالدنيا

      Delete
  2. This comment has been removed by the author.

    ReplyDelete
  3. وكأن تنين من التدابير حل في روحها.
    تفاجأت بدموع سخية تنهمر منها، تهدج صوتها، مما شجعها أن تتقمص صورة امرأة نائحة،

    ReplyDelete
  4. حبيت النص جدا يا ميسون

    قادر اتخيل كمية المشاعر والتوتر طوال الرحلة من لندن للخرطوم. المشهد دا كافي لي انو يكون حلقة كاملة(فيلم قصير) بحد زاتة.

    بالتوفيق ...ومتشوق جدا اكمل المسلسل

    ReplyDelete
    Replies
    1. كونه يجي الكلام من صانع أفلام فدي شهادة كبيرة والله

      Delete
  5. كتابة يا أستاذ تصدقي كل مرة ومرة برجع
    أقرأ مقالك بتاع التسعينيات الكئيبة من ديك وعيك بتعرفي تصوري التفاصيل وتدخلي كوميديا سوداء مضحكة

    ReplyDelete
  6. شكرا ميسون للحكي الجاذب. الفكرة صعبة شديد وتفاصيلها اصعب. بالنسبة لي إسم "إبتهالات" شتتني شديد.

    ReplyDelete
  7. التفاصيل... روعة التفاصيل ...
    تشويق رهيب.
    بالتوفيق ومنتظرين..بكل الحماس .

    ReplyDelete
    Replies
    1. فيروز معوض. ما بعرف ليه ما ظهر اسمي.

      Delete

Post a Comment

Popular posts from this blog

الحلقة الرابعة

الحلقة الخامسة

الحلقة السابعة