الحلقة السادسة
اقتربت منها المرأة المغطية لوجهها كما عادة أهل البلاد،
ودست في يدها كتيبا ورقيا صغيرا وتمتمت "فك الله ضيقك". نظرت حنان إلى
الكتيب "إبتهالات الجيلان لمضائق الزمان".
تأملت حنان في ما يفرقها عن هذه المرأة ، هي من بلد والمرأة
من البلد، هي الثائرة على التقاليد والمرأة على التزام بها، هي التي لا تؤمن
بالغيبيات وتراها خدعة من الكهان لكسب المال من البؤساء وامرأة تدس في يدها كتيبا
فيه غيب الغيب مطبوعا طباعة إستهلاكية جاهزة للبيع.
لكن حنان لمحت في عينيها أنها عرفتها تماما، وقرأت يأسها
وحزنها كله. المرأة لم تقطع فقط المقاعد الفاصلة بينهما في عيادة النساء والتوليد
بل قطعت فيافي من الغربة.
دست حنان وجهها في يديها تخفي دمع تسرب خلسة، ثم قلبت في
الكتيب :
يا جيلان يا
ابن خير من في الأكوان
لاح نورك في
جميع الأزمان
هاج قلبي واعترتني الأشجان
اشفع لي بالحبيب العدنان
عند رب العرش ذو العطاء المنان
يلقي علي عظيم البرهان
ويسبل علي ثوب الرضوان
"لا بأس، سجع لطيف، وإن اختل وزنه" قلبت المزيد
من الصفحات
"لاقني في البرزخ يا جيلان
حيث مرج همي وغمي يلتقيان
موج كربي بغى وطغى بالمكان
مد يدك نحوي يا جيلان
بدا لها عبدالقادر الجيلاني في هيئة والدها، أخضر بشلوخ
وسيمة، يلف عمامة مهملة على رأسه وجلبابه ابيض يهفهف، يقف على الماء ولا يبتل، وهي
تكابد في موج عنيد يكاد يفتك بها، ابتسامته مشرقة لكنها بعيدة، يمد يده فتطول
وتطول حتى تحصلها وتجذبها مرة واحدة نحو النجاة.
الصفحة الأخيرة من الكتيب بدت وكأنها تناديها (غفلت لحظتها
عن شدة النون) "يا حنان يا حنان يا حنان يا"
"حنان إبراهيم" نادتها الممرضة
منذ عشر سنوات وهي تتردد على المشافي والأطباء كلهم يرددون
نفس الحديث، لا شيء يمنعك من الإنجاب.
قبلا ببعثة إلى الخليج بعد عامين من زواجهما طلبا للعلاج
ولا علاج. يدرسان اللغة الإنجليزية بقرية صحراوية نائية، ناسها طيبون وعلى المحجة
البيضاء.
صارت لا تغفل عن الكتاب ولا للحظة، تضع وسادتها عليه
وتنوم، يصحبها إلى العمل في حقيبتها، تسهو به أمام التلفاز. وإن غفلت عنه لحظة
صاحت : "يا صلاح الإبتهالات وين؟"
كلما حملته لاح وجه أبيها باسما.
حتى صلاح اختلس النظر إليه وردد منه. ثم كانت بشارة
الحمل، ثقلت وسرعان ما وضعت طفلة خضراء جميلة بها لمحة من جدها ابراهيم، في غمرة ارتباكهم
الجديد، نسوا حمل مستلزمات الولادة إلى المشفى، لا أقماط ولا ثياب ولا أغطية ...
لكنها لم تنسى الإبتهالات.
وهكذا كان اسمها "ابتهالات" لا يشذ عن وجودها
شعرة! كان شبيها بها، لائقا بها تماما. وأحيانا حين تصفو حنان على ابنتها تظن فيها
الصلاح، وترى فيها لمحة من الجيلاني أبوها، بشلوخه النائرة ويده الممدودة. كان
النظر إليها حينها يمدها بالراحة.
"فيك شي مريح" كثيرا ما ترددت هذه العبارة من
الناس على سمع ابتهالات.
وبعد ابتهالات كانت "السارة" مسماة على والدة صلاح،
بعد أن خفتت الدهشة بإبتهالات التي كانت طفلة مريبة الصمت، فملأت السارة عليهم
البيت بصراخها ومرحها ولهوها.
سارة بدت وكأنها على النقيض من ابتهالات، متمردة، واثقة،
منفتحة ، كانتا كالشمس وظل الشمس، فكل ما في سارة يسطع ويلفت انتباهك. لذا صب صلاح
وحنان عليها آمالهما وأحلامها ولم تخيب.
شكرت ابتهالات لسارة أنها حرفت عنها الإنتباه، وتركتها تركن
في ظلها، تربي عشب الأفكار الصغيرة وتشق دروبا لنمل الأسئلة التافهة. كان الأمر
ملائما لها تماما.
ولكن مع غياب سارة وزواجها السعيد في دولة خليجية، اصطلت
ابتهالات بجحيم إهتمام والديها.
صلاح كان يشفق عليها ويشعر بشيء من الشجن. ربما ذكرته
بالسنوات العشر التي قضاها انتظارا لمولود، وقد كسرته أعين الناس المشفقة عليه وهو
الذي كان شابا واثقا لامعا في الجامعة، وعندما ولدت ابتهالات لم يرمم ذلك الكسر،
لكنه تحول لدفقة هائلة من الحنان واللطف تجاه ابنتيه، وسخرية ولا مبالاة تجاه
العالم.
أما حنان، فكان شيء ما في ابتهالات يحفز غدد الغيظ
عندها. تراها فتغتاظ، تريد أن تنفخ فيها روحا وثابة نحو الحياة، كلما رأت رقبة ابنتها
المائلة همت بالإنقضاض على عنقها وتقويمه. إلا أن حنان التي لم تفلح ابتهالات
الجيلاني في جرها نحو الإيمان (سوى الإيمان بكرامات الجيلاني)، تخاف أن تفرط في
القسوة عليها، أن تعض اليد التي مدت نحوها ساعة ضيقها.
مالت ابتهالات على النافذة تراقب بفضول شهاب وهو يبدأ يومه كالعادة بتنظيف سيارته التي ورثها
عن أبيه، يوليها عناية فائقة، يخرج أبسطتها فينفضها، يلمع حوافها، ويمرر يدها على زواياها
حتى يطمئن إلى لمعانها. ثم يدير المفتاح ويغلق عينيه ليستمع إلى أنين ماكينتها. بدت
لها كل حركة يقوم بها لافتة وساحرة وذات معنى محدد في الوجود. صارت مراقبته من المتع
القليلة التي تختلسها من يومها الفاتر.
هل هي الصدفة؟ أم تربص القدر؟ أم انه فجأة انتبه إلى وجودها لذا صار يلتقيها أكثر من ذي قبل. تسبق مواعيد خروجه بقليل فيرقب خطواتها الممهولة الساهية من شباك عربته، تعلو وجهه ابتسامة حين يرى ميلان عنقها نحو أحد كتفيها. يتعجب من تعلق نظراتها بغفير نائم أمام منزل ما أو فضولها نحو كلب يحفر في التراب. يقتنص الصباحات التي يلمح وجهها متكئا على يديها من نافذة غرفتها ساهمة. كان شيء فيها يبدو سماويا ويبعث بالراحة التي يلجأ إليها يوميا من صخب حياته.
Comments
Post a Comment