الحلقة الثامنة

    صحبته بصمتها النارجيلية في طريقه إلى العمل، يطالعها فيحس بصدره يتسع، كأن حزمة ضوئية تقتحم ظلام حاجزه الصدري فتملأ قلبه ورئيتيه.

لولا تلك البصمة لكن مر عليه يوم عمل رتيب اخر،  لكن كل شيء بدا له حيا مثيرا، شكاوى العمال، قطع الغيار المعدومة في السوق، تعنت المراجع وقلة حيلة المحاسب، فاتورة الكهرباء الجنونية، سكرتيرته الكئيبة، حتى أشعة الشمس الحارقة من النافذة بدت له مشرقة! 

قرابة انتهاء اليوم، هتف له خاطر أنه ربما قد انمحت البصمة مع على شباك السيارة، اضطرب، واحس بساعة العمل الأخيرة تسير أبطء من المعتاد، لم يحتمل فأغلق جهازه ولملم الأوراق على مكتبه، وسارع نحو العربة لاهثا مركزا بصره نحو النافذة، واقترب  شيئا فشيئا حتى لوحت له البصمة ، فارتخت أعصابه.

انبسط ساعداه على المقود ، وتقافزت أصابعه مترنمة على أغنية من المذياع،ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه. لم يتأثر بهاتف رشا تخبره بما تعرف أنه سيضايقه " لا أستطيع احضار البنات اليوم إلى المنزل، طرأ....شيء..ما، سأحضرهم الأسبوع المقبل" رمت بالطعم مترقبة موجة عارمة من الغضب و الغيظ المكبوت "ما هو هذا الشيء؟ انت تخلين بإتفاقنا؟ حتى متى هذا العناد؟" لتجيبه "أنت من جبته لنفسك"،

لكنه أجاب ساهما "خير، سلمي عليهم، محتاجين حاجة؟"

لم تتمكن من كبت غيظها حين أجابت بإقتضاب وغضب "لأ" وأوصدت الهاتف.

اقترب من ميدان البيت، خطر له أنه ربما يلمحها على باب بيتها، ربما! لم لا؟  

كانت هناك، تتكئ على باب منزلها، وقد لفت الثوب بإهمال على جسدها ، لا بد أنها خرجت على عجالة، تفلت شعرها حول وجهها فظلت تلملم الخصل تحت غطاء رأسها.

بدا وجهها غريبا، كأنما أخيرا ظهر وجهها النادر من تحت أقنعة الصمت والإنطواء، كانت تبتسم دون حذر، وبدا له من حركة يديها أنها تنطلق بالكلام. ظل مأخوذا بها لثوان حتى انتبه أنها تحدث رجلا كان يحمل طفليها على كتفيه ويقلبهما بين ذراعيه، كانت في حالة نادرة من الإنطلاق. مستغرقة في الحديث مع رجل ضخم الجثة يرتدي جلبابا يضحك بصوت عالي. 

تسلل احساس طفيف من المرارة لشهاب، فاقترب بسيارته بحذر خشية أن يقطع حديثهما، متلصصا. لكنهما لم ينتبها حتى لوجوده.

نزل عن عربته ، ليفتح باب الجراج، واختلس النظر إلى جارته وضيفها، بدا له الوجه مألوفا، يشبه وجه المرحوم..عادل! بالطبع سيزور أرملة أخيه، وهو عم الأولاد أولا وأخيرا. لكن لماذا أخرجت وجهها النادر له. ظل محدقا فيهما  حتى انتبه لعادل يلوح له. ارتبك ورفع يده ، التفتت نحوه، وسرعان ما كسى وجهها قناع الترقب، ابتسمت ابتسامة متحفظة وهزت رأسها تحييه.

وقبل أن يتحرك نحوهما ، كان عادل يودعها مسرعا ويحثها على الدخول وخطا نحوه خطوات واسعة صاخبة. "سلامااااات! وين انت يا زول"

مضت أيام دون أن يلتقيها، لا بالمصادفة ولا بالترصد، يختلس النظر إلى نافذتها لعله يلمح طيفها. لكن ظلت النافذة جامدة متصاممة عن نداءاته الصامتة.

حتى لاحت بسماء الرجاء فرصة. اتصل عليه يسألها، أكدت أنها ستحضر وأنها ستنتظره ليذهبا سويا لأمسية رتبتها جيهان للعرسان الجدد، حفلة صغيرة لل"شلة" فقط. لم تعد هذه الكلمة تثقل عليها وقد صار هناك ما تتطلع إليه.

هذه المرة ثوب أبيض طرزت أطرافه بصفق أزرق، ومع قطع الكهرباء العام في المنطقة بدت وكأنها سحابة تطفو  في الظلام. مجددا داهمته رائحة جوز الهند. اعتصما بصمتهما، ينتظران من سيجرؤ أولا على سيرفع حظر السكوت أولا. وهذه لعبة تجيدها ابتهالات.

"الكهرباء بالغت مع ناس جيهان، ان شاء الله تجي قريب"

تنهدت ابتهالات مرهقة من سنوات من الأحاديث الصغيرة التي لا تقول شيئا، هذه العبارات التي تثقل عليها أكثر من أي شيء في الدنيا. 

"ممكن أفتح الشباك"

"طبعا طبعا"

تنشقت الهواء من الخارج، وأمالت رأسها نحو النافذة

بدت له ملوكية، وقد لفت شعرها الى الوراء فكشفت عن عنقها الذي بدا له ناعما، أملسا، نبيلا.

هيأت جيهان سطح منزلها بالمصابيح والشموع، واكتظت الشلة الصاخبة حول الضوء. توسطتهم ابتهالات في محاولة منها كسر حاجز الإرتباك والنفور. لكنها بدت كمن يقف على قارب تطوح به الأمواج من كل جانب. وكانت كلما صعد الفزع إلى عينيها بحثت عن شهاب، الذي فضل الأنزواء بعيدا قرب حائط أحاط به الظلام يلوذ بحديث جدي اخر مع صديق، اختفى تماما سوى ضوء سيجارته يتناثر في الفضاء، ترسو عينيها على شبحه فيتراجع الفزع رويدا.

كان من مخبأه يراها تلوذ به، يرى عينيها تبحثان عنه ولا ترى عيناه يتعلقان بها.

ثم انفلت لحن مألوف من المسجل. ووقفت ابتهالات فجأة.

 


Comments

Popular posts from this blog

الحلقة الرابعة

الحلقة الخامسة

الحلقة السابعة