الحلقة التاسعة
في البدء ترددت، تكبلها سنين من تعليقات النسوة
"يابسة!"
"ما تعصبي كدا"
"يا بت انفنسي، افردي ضهرك! "
"مخشبة"
لكنه حين انطلق اللحن ب
"يا ما شايلك فيني حايم، كالليالي المخملية"، فردت ذراعها وقوست كتفيها
حتى كادا أن يلتقيان، فاندفع صدرها في موج الليل، وخف قدميها يمنة ويسرة في خطوات متقاربة،
وانثنى عنقها نشوانا مثقلا بالطرب حتى انسدل حرا على
ظهرها.
كان مشهدها أخاذا، ارتبكت
الشلة من حولها. وتعلق ضوء السيجارة عند نقطة واحدة لا تتحرك. ثم نهض شهاب مسرعا نحو
سور السطح ينفث ما تبقى من سجارته.
"لا تطا الورد الصبية"
، لا تطأ الورد الصبية.
نفث الأصدقاء في وجهها
استحسانهم ودهشتهم، فأحست بسخونة تعلو خديها، انزوت عنهم نحو شهاب. الذي ظل محدقا
أمامه في الظلام، حاولت أن تتبين حاله: ضيق؟ حرج؟
اخيرا، القى بالسجارة من على
السطح والتفت نحوها فجأة ، يحاول لجم الكلام الذي كان محتما له الانفلات :
"حسيت اني عاوز أشيلك
وأجري بيك من هنا"
ارتبكت ابتهالات. عشر سنوات منذ ان ضربت ضفتها مثل هذه المشاعر، وقد انحسر عنها المرحوم منذ زواجهما. بحثت عن شيء تقوله، او حالة تلزمها، لكنه
عاجلها ببحثه المرتبك عن مفاتيح سيارته في جيبه حتى عثر عليها وقال دون ان ينظر
إليها "حكلم محمد يوصلك ..انا ما حقدر أوصلك الليلة" واختفى مسرعا.
في صباح اليوم التالي، تجنب
النظر صوب بيتها وحاول الإنشغال بغسل عربته. تسرب إليه من نافذتها صوت مصطفى يئن
"أطيب من الألم وأرتاح، ليلي الحالك يبقى صباح"
لعل بها شيء مما به؟ تقتحم
افكاره عنوة وهو الذي سيلتقي اليوم برشا التي فأجأته بطلبها أن يخرجا للتنزه مع البنات. لكنه استسلم و اخرج هاتفه مرسلا:
وصلتي كويس
امبارح؟
مرت دقائق ثم:
وصلت كويس، وانت؟
هل يخبرها انه ظل حائرا بين
الرغبة في السهر متسكعا في ملامحهاالمحفورة في رأسه وبين الإستسلام للنوم علها تشرق في أحلامه.
بتحبي مصطفى؟
ليس بالتحديد، لكنها تحس أنها
حبيسة لصوته منذ سنوات، تهرب به من وعثاء العمل المنزلي
(إنتي ما طبيعية! بنات اصغر
منك بيعرفن يمسكهن بيوتهن!)
"بحب أسمع
حاجة لما يكون عندي شغل في البيت"
بدا له حلوا، هذا الحديث
الصباحي، العادي، الرتيب، أبعد ما يكون عن الحوارالمصيري الذي ينتظره حين
يلتقي مع رشا.
استقبلته في الحديقة بثوب مموج بدرجات صارخة من
الزهري والبرتقالي ، احتضن البنات بعاطفة زائدة مخبئا فيهما قلقه. اشتم عطرها
النسوي النفاذ.
عنايتها الفائقة بالبنات،
لطفها البائن، ابتسامتها الرقيقة زادت من قلقه، أحس بنفسه ينزلق بنعومة نحو فخ محفور.
بدأ الأمر لطيفا حتى وصل إلى
الذروة المعتادة
"أنا ما ملزمة بأمك"
ليكرر " لكن
انا ملزم بيها، ما بقدر أخليها براها"
"وليه انت براك؟ واحدة
من بناتها تقعد معاها وتحرسها"
"معقولة؟ اخواتي يخلوا
بيوتهن ويجوا يقعدوا معاها؟"
"لأ! تخليه إنت"
إنه الآن منهك، متعب من اجترار
أحساسيس الحنق والضيق والغضب، أحس بالإعياء.عيناه المحدقتان بالطاولة كانتا أشبه
بطائر حبيس يبحث عن مهرب من شركه.
هنا، أحست رشا بالقلق، بأن
الأمر يخرج عن طوعها. (كله ولا الإعياء!). تراجعت
"ممكن نرجع للحل القديم، انا موافقة نعيد تقسيم البيت ونفصله، وتشوف حل إنه
ما في زول يتدخل في حياتي"
ردد في سره
"وأمك؟"
وكأنما قرأت خاطره "لا
أمك لا أمي"
هز رأسه مستسلما "خير!"
مد يده نحو مفاتيح العربة
معلنا عن رغبته في الخروج من المكان. ظلا صامتين طوال الطريق حتى أوصلها لبيت أمها. ثم انطلق قبل ان يتأكد من دخولها للمنزل كعادته. دب الخوف في قلبها. "في
شي!"
كل شيء مرهق، سيظل مؤرجحا
بين أمه وزوجته وإرث والده الثقيل. وهو؟ أين هو؟
وصل إلى منزله، لم ينزل عن
العربة، حدق لوقت طويل في نافذة ابتهالات المضيئة، منصتا لصوت انفاسه.
Comments
Post a Comment